خَرَجَ عَمْرٌو يُجَرْجِرُ قَدَمَيْهِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ
مِنْ أَبِيهِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمُوجِعَاتِ؛ بِسَبَبِ إِهْمَالِهِ الْمُتَكَرِّرِ
فِي الْوَاجِبَاتِ, وَمَا إِنْ أَخَذَ يَسِيرُ فِي الطَّرِيقِ أَمَامَ الْبَيْتِ حَتَّى
نَادَاهُ الْعَمُّ يَحْيَى صَاحِبُ أَحَدِ الْمَحَالِّ الْمُجَاوِرَةِ لِلْبَيْتِ:
"أَخَذْتَ الْبِنْطَالَ بِالأَمْسِ وَلَمْ تَدْفَعِ الْمَالَ! وَضَحِكَ الرَّجُلُ
وَقَالَ أَيْضًا: أَيْنَ أَبُوكَ حَتَّى آخُذَ الْمَالَ مِنْهُ يَا عَمْرُو؟! قَالَ
عَمْرٌو: سَأُخْبِرُهُ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَسَيَأْتِيكَ بِالْمَالِ, فَإِذَا بِالرَّجُلِ
يَدْعُو: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي وَالِدِكَ, كَمْ يُحِبُّكَ وَلا يَدَّخِرُ مَالاً
لأَجْلِ إِرْضَائِكَ وَإِخْوَتِكَ!
جَعَلَتْ كَلِمَاتُ الْبائِعِ تَدُورُ فِي عَقْلِ عَمْرٍو،
وَتَأْخُذُ طَرِيقَهَا إِلَى قَلْبِهِ حَيْثُ حُبُّ أَبِيهِ كَامِنٌ، وثُمَّ لَمْ
يَلْبَثْ أَنْ سَارَ قَلِيلاً حَتَّى رَنَّ الْهَاتِفُ الْجَوَّالُ فِي يَدِهِ وَإِذَا
بِالأَخِصَّائِيِّ الاجْتِمَاعِيِّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُذَكِّرَ أَبَاهُ بِمَوْعِدِ
اجْتِمَاعِ "مَجْلِسِ الآبَاءِ", وَإِذَا بِهِ يَدْعُو أَيْضًا
لأَبِيهِ:" بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَبِيكَ؛ فَهُوَ نَشِيطٌ وَفَعَّالٌ
وَمُتَعَاوِنٌ مَعَ إِدَارَةِ الْمَدْرَسَةِ! كُنْ فَخُورًا بِأَبِيكَ".
ضَحِكَ عَمْرٌو وَقَالَ:
كُلُّ النَّاسِ تُحِبُّ أبي، وَأَنَا أَيْضًا أُحِبُّه.
وَلَمْ يَكَدْ عَمْرٌو يُغْلِقُ الْهَاتِفَ حَتَّى سَمِعَ
الأَذَانَ يَقُولُ:"اللهُ أَكْبَرُ" فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَتَوَضَّأَ، وَفِي
الصَّلاةِ إِذَا بِالإِمَامِ يَقْرَأُ: {وَقَضَىٰ
رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًا} وَبَعْدَ الصَّلاةِ كَانَ الدَّرْسُ
عَنْ فَضْلِ الْوَالِدَيْنِ!
كَادَ عَمْرٌو يَضْحَكُ،
وَقَالَ فِي نَفْسِهِ: "هِيَ مُؤَامَرَةٌ كَوْنِيَّةٌ إِذَنْ!" الشَّوَارِعُ
وَالْهَوَاتِفُ وَالْمَسَاجِدُ تَتَحَدَّثُ عَنْ أَبِي !!!
وَذَهَبَ إِلَى أَحَدِ مَحَالِّ الْهَدَايَا، وَاشْتَرَى
هَدِيَّةً لأَبِيهِ، وَأَلْصَقَ عَلَيْهَا وَرَقَةً كَتَبَ عَلَيْهَا:
"أُحِبُّكَ
جِدًّا, وَسَأَسْتَذْكِرُ جَيِّدًا بِشَرْطِ أَنْ تَقْرَأَ لِي؛ فَأَنَا أُحِبُّ
الاسْتِذْكَارَ مَعَكَ" ابْنُكَ الْمُخْلِصُ الْمُحِبُّ: عَمْرٌو.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق